محمد جواد مغنية
157
التفسير الكاشف
بكاملها لذي القرنين ، وبها أصبح قويا مهابا ، وهذا هو معنى تمكينه في الأرض . . وتدل الآية دلالة واضحة على أن اللَّه سبحانه يوجد الأشياء بأسبابها . ( فَأَتْبَعَ سَبَباً ) . مهّد اللَّه الأسباب وهيأها لذي القرنين ، فاغتنمها واستغلها في الخير وصالح الأعمال . من ذلك ذهابه إلى المغرب الذي أشار إليه سبحانه بقوله : ( حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ) . المراد بمغرب الشمس بلاد المغرب ، ومن الواضح ان الشمس لا تدخل العين فتعين ان يكون المراد بالعين الحمئة البحر الذي يتراءى للإنسان ان الشمس تغيب فيه ، وهذا البحر من بحار المغرب ، وكان على شاطئه طين أسود ، ولكن أي بحر هو ؟ اللَّه أعلم . ويقول الشيخ المراغي : انه المحيط الأطلنطي . ( ووَجَدَ عِنْدَها قَوْماً قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ) . ضمير عندها يعود إلى العين ، وظاهر الآية بمفردها يدل على أن اللَّه سبحانه ترك لذي القرنين أمر التصرف في أهل تلك البلاد ، ان شاء عذبهم ، وان شاء أحسن إليهم . . ومن الواضح ان هذا لا يتفق مع عدالته تعالى ، ولكن إذا عطفنا هذه الآية على الآيات الآمرة بقتل الكفار والمشركين ان أصروا على الكفر والشرك ، إذا جمعنا الآيات في كلام واحد دلت بمجموعها على أن القوم الذين وجدهم ذو القرنين في المغرب كانوا كفارا ، وانه عرض عليهم الايمان فامتنعوا . وتسأل : هل يجوز الإحسان إلى الكفار ؟ . الجواب : يجوز إذا لم يقاتلونا في الدين ، ولم يخرجوا أحدا من دياره ، قال تعالى : « لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ » - 8 الممتحنة . ( قالَ » - ذو القرنين - « أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذاباً نُكْراً وأَمَّا مَنْ آمَنَ وعَمِلَ صالِحاً فَلَهُ جَزاءً الْحُسْنى وسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنا يُسْراً ) . هذا هو الدستور لحكم ذي القرنين وسلطانه ، ويتلخص بهذه الكلمة : السيف لمن عصى اللَّه ، والحسنى لمن أطاعه . . ان المال والعلم والسلطان نعمة عظمى يمتحن اللَّه بها عباده ، فأما الأشرار فتزيدهم كفرا وطغيانا ، واما الأخيار